صفي الرحمان مباركفوري
364
الرحيق المختوم
من المدينة إلى مكة - فقال : من أين أقبلت يا بديل ؟ - وظن أنه أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم - فقال : سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي . قال : أو ما جئت محمدا ؟ قال : لا . فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان : لئن كان جاء المدينة لقد علف بها النوى ، فأتى مبرك راحلته ، فأخذ من بعرها ففته ، فرأى فيها النوى ، فقال : أحلف باللّه لقد جاء بديل محمدا . وقدم أبو سفيان المدينة ، فدخل على ابنته أم حبيبة ، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم طوته عنه ، فقال : يا بنية ، أرغبت بي عن هذا الفراش ، أم رغبت به عني ؟ قالت : بل هو فراش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأنت رجل مشرك نجس . فقال : واللّه لقد أصابك بعدي شر . ثم خرج حتى أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكلمه ، فلم يرد عليه شيئا ، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : ما أن بفاعل ، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه ، فقال : أأنا أشفع لكم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ فو اللّه لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به ، ثم جاء فدخل على علي بن أبي طالب ، وعنده فاطمة ، وحسن غلام يدب بين يديهما ، فقال : يا علي ، إنك أمس القوم بي رحما ، وإني قد جئت في حاجة ، فلا أرجعن كما جئت خائبا ، اشفع لي إلى محمد ، فقال : ويحك يا أبا سفيان ، لقد عزم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه . فالتفت إلى فاطمة ، فقال : هل لك أن تأمري ابنك هذا فيجير بين الناس ، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ؟ قالت : واللّه ما يبلغ ابني ذاك أن يجير بين الناس ، وما يجير أحد على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وحينئذ أظلمت الدنيا أمام عيني أبي سفيان ، فقال لعلي بن أبي طالب في هلع وانزعاج ويأس وقنوط : يا أب الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي ، فانصحني . قال : واللّه ما أعلم لك شيئا يغني عنك . ولكنك سيد بني كنانة ، فقم فاجر بين الناس ، ثم الحق بأرضك . قال : أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا ؟ قال : لا واللّه ما أظنه ، ولكني لم أجد لك غير ذلك . فقام أبو سفيان في المسجد ، فقال : أيها الناس ، إني قد أجرت بين الناس ، ثم ركب بعيره ، وانطلق . ولما قدم على قريش ، قالوا : ما وراءك ؟ قال : جئت محمدا فكلمته ، فو اللّه ما رد علي شيئا ، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرا ، ثم جئت عمر بن الخطاب ، فوجدته